ابن حجر العسقلاني
181
فتح الباري
وأصلها الغمامة الكثيرة المطر واختلف في اسمه فعند البلاذري من طريق الواقدي عن معمر عن الزهري أنه الحرث بن يزيد وحكى السهيلي أن اسمه مالك ووقع في شرح الكرماني أن ابن إسحاق سماه ربيعة بن رفيع وهو وهم من الكرماني فان ربيعة المذكور آخر يقال له ابن الدغنة أيضا لكنه سلمي والمذكور هنا من القارة فاختلفا وأيضا السلمي إنما ذكره ابن إسحاق في غزوة حنين وأنه صحابي قتل دريد بن الصمة ولم يذكره ابن إسحاق في قصة الهجرة وفي الصحابة ثالث يقال له ابن الدغنة لكن اسمه حابس وهو كلبي له قصة في سبب إسلامه وأنه رأى شخصا من الجن فقال له * يا حابس بن دغنة يا حابس * في أبيات وهو مما يرجح رواية التخفيف في الدغنة ( قوله وهو سيد القارة ) بالقاف وتخفيف الراء وهي قبيلة مشهورة من بني الهون بالضم والتخفيف بن خزيمة بن مدركة ابن إلياس بن مضر وكانوا حلفاء بني زهرة من قريش وكانوا يضرب بهم المثل في قوة الرمي قال الشاعر * قد أنصف القارة من راماها * ( قوله أخرجني قومي ) أي تسببوا في إخراجي ( قوله فأريد أن أسيح ) بالمهملتين لعل أبا بكر طوى عن ابن الدغنة تعيين جهة مقصده لكونه كان كافرا وإلا فقد تقدم أنه قصد التوجه إلى أرض الحبشة ومن المعلوم أنه لا يصل إليها من الطريق التي قصدها حتى يسير في الأرض وحده زمانا فيصدق أنه سائح لكن حقيقة السياحة أن لا يقصد موضعا بعينه يستقر فيه ( قوله وتكسب المعدوم ) في رواية الكشميهني المعدم وقد تقدم شرح هذه الكلمات في حديث بدء الوحي أول الكتاب وفي موافقة وصف ابن الدغنة لأبي بكر بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على عظيم فضل أبي بكر واتصافه بالصفات البالغة في أنواع الكمال ( قوله وأنا لك جار ) أي مجير أمنع من يؤذيك ( قوله فرجع ) أي أبو بكر ( وارتحل معه ابن الدغنة ) وقع في الكفالة وارتحل ابن الدغنة فرجع مع أبي بكر والمراد في الروايتين مطلق المصاحبة وإلا فالتحقيق ما في هذا الباب ( قوله لا يخرج مثله ) أي من وطنه باختياره على نية الإقامة في غيره مع ما فيه من النفع المتعدي لأهل بلده ( ولا يخرج ) أي ولا يخرجه أحد بغير اختياره للمعنى المذكور واستنبط بعض المالكية من هذا أن من كانت فيه منفعة متعدية لا يمكن من الانتقال عن البلد إلى غيره بغير ضرورة راجحة ( قوله فلم تكذب قريش ) أي لم ترد عليه قوله في أمان أبي بكر وكل من كذبك فقد رد قولك فأطلق التكذيب وأراد لازمه وتقدم في الكفالة بلفظ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنت أبا بكر وقد استشكل هذا مع ما ذكره ابن إسحاق في قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وسؤاله حين رجع الأخنس بن شريق أن يدخل في جواره فاعتذر بأنه حليف وكان أيضا من حلفاء بني زهرة ويمكن الجواب بأن ابن الدغنة رغب في إجارة أبي بكر والأخنس لم يرغب فيما التمس منه فلم يثرب النبي صلى الله عليه وسلم عليه ( قوله بجوار ) بكسر الجيم وبضمها وقد تقدم بيان المراد منه في كتاب الكفالة ( قوله مر أبا بكر فليعبد ربه ) دخلت الفاء على شئ محذوف لا يخفى تقديره ( قوله فلبث أبو بكر ) تقدم في الكفالة بلفظ فطفق أي جعل ولم يقع لي بيان المدة التي أقام فيها أبو بكر على ذلك ( قوله ثم بدا لأبي بكر ) أي ظهر له رأي غير الرأي الأول ( قوله بفناء داره ) بكسر الفاء وتخفيف النون وبالمد أي أمامها ( قوله فيتقذف ) بالمثناة والقاف والذال المعجمة الثقيلة تقدم في الكفالة بلفظ فيتقصف أي يزدحمون عليه حتى يسقط بعضهم على بعض فيكاد